أحمد ايبش
6
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
بعد مقتل المعزّ بعامين تولّى المظفّر قطز 657 ه ، وفي العام التالي قاد جيوش مصر والشام ضد التّتار الذين اجتاحوا بغداد والشام بين 656 - 658 ه ، فكسرهم أشنع كسرة في معركة عين جالوت الفاصلة . غير أن المؤسّس الفعلي لدولة المماليك مع ذلك لم يكن المعزّ أيبك ولا المظفّر قطز ، بل كان السّلطان القوي الظاهر بيپرس الذي تولّى سدّة السّلطنة في عام 658 ه وبقي بها 17 سنة حتى وفاته 676 ه . كان محيي الدّين رئيس ديوان الإنشاء عندما تولّى بيپرس الحكم ، ويبدو أن عمله في الدّيوان كان من أيام الملك المظفّر قطز على الأقل ، فقد رافق حملته إلى الشام ضد التّتار . وسرعان ما نال الرّجل ثقة بيپرس بعد تولّيه الحكم ، فبدأ يعتمد عليه في بعض المهمّات الإدارية ، وأول ذلك كان سفارته إلى الملك السّعيد بركة خان زعيم القبيلة الذّهبية التّتريّة ، يستميله إليه ضدّ ابن عمّه هولاگو خان . والسّيرة التي ألّفها تزخر بما كان يدونّه من مراسلات إداريّة وديپلوماسيّة باسم السّلطان . وإن طبيعة عمله جعلته على اتّصال دائم به ، ممّا مكّنه من الاطّلاع على تفاصيل وافية من شؤون حياته السّياسية والشخصية ، فغدا كتابه « الرّوض الزّاهر » أول مصدر عن حياة الظاهر وبلاد مصر والشام والحجاز في عهده . وكان ( مع كتاب مماثل لعزّ الدّين ابن شدّاد ) بمثابة السّيرة الرّسمية للظاهر ، لا كباقي المصادر العامّة لتلك الفترة : كمفرّج الكروب لابن واصل ، زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة لبيپرس الدّوادار ، ذيل مرآة الزّمان لليونيني ، نهاية الأرب للنّويري ، النّجوم الزّاهرة لابن تغري بردي . كما يبزّ سيرة الظاهر لابن قايماز الذّهبي التّركماني ، لتأخّره . استمرّ محيي الدّين في مركزه بديوان الإنشاء طوال فترة حكم بيپرس ، وأثناء حكم ابنيه الملك السّعيد بركة خان والملك العادل سلامش ( 676 - 678 ه ) ، وخلال الفترة الأولى من حكم السّلطان المنصور قلاوون ( تولّى 678 ه بعد خلع سلامش ) الذي أحلّه مكانة لائقة واعتمد عليه في ديوان الإنشاء برغم ما طرأ على نظره بأواخر حياته من ضعف ، كما يذكر شافع بن علي في مختصره على « الرّوض الزّاهر » ، المسمّى « حسن المناقب السّريّة المنتزعة من السّيرة الظاهريّة » .